محمد بن جرير الطبري
286
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب . ولا دلالة في الآية ولا خبر تقوم به حجة على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به . وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ ، وجائز أن يكون ذلك الذنب وغضروف الكتف وغير ذلك من أبعاضها . ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل ، ولا ينفع العلم به مع الإِقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها ، فأحياه الله . فإن قال قائل : وما كان معنى الأَمر بضرب القتيل ببعضها ؟ قيل : ليحيا فينبئ نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم والذين ادارءوا فيه من قاتله . فإن قال قائل : وأين الخبر عن أن الله جل ثناؤه أمرهم بذلك لذلك ؟ قيل : ترك ذلك اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام الدال عليه نحو الذي ذكرنا من نظائر ذلك فيما مضى . ومعنى الكلام : فقلنا : اضربوه ببعضها ليحيا ، فضربوه فحيي ؛ كما قال جل ثناؤه : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ والمعنى : فضرب فانفلق . يدل على ذلك قوله : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى . وقوله : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى مخاطبة من الله عباده المؤمنين ، واحتجاج منه على المشركين المكذبين بالبعث ، وأمرهم بالاعتبار بما كان منه جل ثناؤه من إحياء قتيل بني إسرائيل بعد مماته في الدنيا ، فقال لهم تعالى ذكره : أيها المكذبون بالبعث بعد الممات ، اعتبروا بإحيائي هذا القتيل بعد مماته ، فإني كما أحييته في الدنيا فكذلك أحيي الموتى بعد مماتهم ، فأبعثهم يوم البعث . فإنما احتج جل ذكره بذلك على مشركي العرب وهم قوم أميون لا كتاب لهم ، لأَن الذين كانوا يعلمون علم ذلك من بني إسرائيل كانوا بين أظهرهم وفيهم نزلت هذه الآيات ، فأخبرهم جل ذكره بذلك ليتعرفوا علم من قبلهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . يعني جل ذكره : ويريكم الله أيها الكافرون المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله من آياته وآياته : أعلامه وحججه الدالة على نبوته لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق فتؤمنوا به وتتبعوه . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني بذلك كفار بني إسرائيل ، وهم فيما ذكر بنو أخي المقتول ، فقال لهم : ثم قست قلوبكم : أي جفت وغلظت وعست ، كما قال الراجز : وقد قسوت وقسا لدني يقال : قسا وعسا وعتا بمعنى واحد ، وذلك إذا جفا وغلظ وصلب ، يقال منه : قسا قلبه يقسو قسوا وقسوة وقساوة وقساء . ويعني بقوله : مِنْ بَعْدِ ذلِكَ من بعد أن أحيا المقتول لهم الذي ادارءوا في قتله . فأخبرهم بقاتله وما السبب الذي من أجله قتله كما قد وصفنا قبل على ما جاءت الآثار والأَخبار وفصل الله تعالى ذكره بخبره بين المحق منهم والمبطل . وكانت قساوة قلوبهم التي وصفهم الله بها أنهم فيما بلغنا أنكروا أن يكونوا هم قتلوا القتيل الذي أحياه الله ، فأخبر بني إسرائيل بأنهم كانوا قتلته بعد إخباره إياهم بذلك ، وبعد ميتته الثانية . كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : لما ضرب المقتول ببعضها يعني ببعض البقرة جلس حيا ، فقيل له : من قتلك ؟ فقال : بنو أخي قتلوني . ثم قبض ، فقال بنو أخيه حين قبض : والله ما قتلناه . فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه ، فقال الله : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني بني أخي الشيخ ، فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، عن سعيد ، عن